• ×

قائمة

لم تستجد أحدا وارتضت وأسلمت أمرها الى الله : ام محمد .. مجاهدة ترعى اربعة ابناء «معاقين»

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 لو تعرض عضو من جسمنا فجأة لوخزة من \"إبرة\" او \"شوكة\" لانتفضنا من الألم ، ولو اصابنا جرح او حتى ألم \"طاحونة او سن\" لأقمنا الدنيا ولم نقعدها ، وركضنا مسرعين الى اقرب طبيب او مستشفى للعلاج. فكيف بحال من اصابه ابتلاء من الله بإعاقة دائمة في عضو من اعضاء جسمه ، وكيف سيكون حال من هم حوله من أسرته الذين يألمون لألمه ويبكون على ما حدث له ، ويركضون به من طبيب الى طبيب ، ومن مستشفى الى آخر سعيا وراء التعلق بقشة ربما يكون فيها شفاؤه.

قد يبتلي الله أحد أفراد أسرة سعيدة تعيش في أمان واستقرار بمرض أحد أفرادها ، او إصابته بإعاقة مؤقتة او دائمة. وعندما يتخطى هذا الإبتلاء بالجسم حدود الأب والأم ويصيب أحد الابناء فإن ساعة الزمن تتوقف وجوّ الفرح والسعادة يندثر تحت وطأة الألم والحزن الذي يلف هذه الأسرة الوادعة. وأكثر إنسان قد يتأثر بجنون على هذا الشخص المبتلى بالجسم هي الأم ، التي يكون البلاء الحقيقي والفعلي قد حلَّ بها من شعر رأسها حتى أخمص قدميها: والتي ربما تفرض حصارا كبيرا على أي شيء قد يتسبب بزيادة \"وجع\" من أصيب. ناهيك عما سيسببه هذا الحدث من حجر على حريتها وحياتها برمتها وخاصة الاجتماعية.

هذه الانسانة التي تعطي بلا مقابل.. هي الحياة والبلسم الشافي لجراحنا وآلامنا ورمزالتضحية وايثار الآخرين عليها وخاصة الابناء ، كيف سيكون حالها في التعامل مع ابتلاء الله لهذا الابن الذي اصبح من ذوي الاحتياجات الخاصة ، كيف سيكون حالها اذا ابتلاها الله بإبنين او اكثر لديهم اعاقات تمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية. هذا ما حصل مع صاحبة حكايتنا اليوم .. فهي \"أم\" ليست كبقية الامهات ، رزقها الله بأربعة من الابناء من \"ذوي الاحتياجات الخاصة\" هم \"ثلاث بنات وولد\" ، يعانون من تخلف عقلي ، علما بأنهم من القابلين \"للتدرب والتعلم\". فتقبلت ما حدث بصبر واحتسبت امرها عند لله ، فجاهدت في سبيل توفير الرعاية والعناية الخاصة التي يحتاجونها ، فالعناية بأربعة ابناء لديهم اعاقات دائمة ليس كالعناية بأبناء سليمين او إبن واحد لديه إعاقة. جبل من الهم ربض على صدر هذه الأم الصابرة فلم تشكُ امرها الى احد من البشر ، بل كانت كلما ضاقت بها الحال بثت همها وحزنها الى الله فهو اعلم بحالها وبمعاناتها ، فلم تستجد احدا او تذرف دمعة واحدة لجلب الشفقة.

سارت الحياة بحلوها ومرًّها.. مع الجزم ان مرَّها كان طبعا هو الغالب على مجرياتها. وكبر الابناء حتى صاروا شبابا ، وازدادت متطلباتهم واحتياجاتهم.. ومتاعبهم. ومرض زوجها الذي بلغ من العمر ما شاء الله له ان يبلغ ، وجلس الى جوار ابنائه الاربعة ، ليس بيديه حيلة إلا ان يتضامن مع زوجته بالدعاء الى الله ان \"يستر الحال\" ويفرجها عليهم من حيث لا يحتسبون.

وزاد جهاد \"ام محمد\" وصبرها.. اربعة من المعاقين ما بين العشرين عاما والثلاثين عاما.

تخيلوا معي كيف سيكون التعامل معهم ، وكيف ستكون متطلباتهم.. عندما يحتاجون الذهاب الى الحمام ، او عند مرض احدهم ، فالسليم منا ربما لا يقدر على رفع هذا الابن عن الارض حيث ينام فكيف سيقوم بحمله ونقله الى اي مكان بغض النظر عن موقع البيت \"التسوية\" الذي يعيشون فيه في احد احياء عمان وحاراتها الشعبية. والزوج مريض ليس في يده حيلة ، تقوم على خدمته ايضا بصبر.

\"ام\" مجاهدة.. كسر الوضع ظهرها وما زالت تقول: الحمد لله على ما ابتلاني به.

إمرأة صابرة ومؤمنة بقدر الله ، ومحتسبة أمرها الى الله الذي لايغفل ولا ينام ، فإرادة رب العالمين أن يكون لديها أربعة أبناء \"معاقون عقليا\" ، إرتضت واستسلمت لما أراد الله بما رزقها من \"بلاء\" ، وأيضا \"فقر شديد\" ، إلا من بعض \"اللقم\" التي يدفع بها بعض أهل الخير اليها.

هل تشعرون بما تعانيه هذه \"الأم\" التي تاجرت بأبنائها لتنال رضا الله من تعب جراء قيامها برعاية هؤلاء الأبناء الاربعة من \"ذوي الاحتياجات الخاصة\" ، من تنظيف ورعاية وإطعام. أربعة من الابناء البالغين لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم في القيام بأبسط أمور حياتهم ، وما خفي كان أعظم.

قد تتساءلون: لماذا لم تقم بإدخالهم إلى مركز او جمعية او ... لرعايتهم؟ والاجابة ان الأم لم تقصر وناشدت الكثير من الجهات لكي يرعوا أبناءها.

في هذا البيت الفقير تعيش أسرة كبيرة فيها أربعة من الأبناء \"معاقين عقليا\" وأب مريض ، ترعاهم \"أم\" ليست كالأمهات.. بل \"ملاك\" ، إبتلاها الله ببلاء عظيم فأحسنت الرضى ، وصبرت على ما قسم الله وقضى.
بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  721
التعليقات ( 0 )