• ×

قائمة

الحكومة الألمانية تنفق 300 يورو يومياً على كل طفل توحدي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 في البحث عن فرق.. كلنا إنسان! والمرتبة لمن شاء التصنيف «متقدم» و«نام»! وفي حضرة الألمان، اكتشفنا أنه كان من الممكن أن تُنسى شريحة لولا يقظة الموجوعين. ولن أدهشكم لو قلت: كثيرة هي التفاصيل، ولكن تظل الحقيقة «بطلاً» في إطار.. يتعالى على النيل بصورة أنثى.

امرأة.. أم!
وللأمومة أن تستنطق جمود الصخر.. وتنهي سكرة التواكل.. بربتٍ آلم من صفعة! وهذا ما حققته الألمانية ماريا كامينسي.. أم لشاب توحدي في 34 من عمره اليوم! قالت لي سراً: «انتظرت طويلاً حتى يعترف زوجي أن ابننا «نعمة».. فقبلته بعد أن تطهر من عبء ما جال في صدره لعقود ثلاثة، فزوجي أب حنون.. لكنه موجوع!». في اجتماع كهذا، لم يعرف صاحبكم من أين يبدأ! ولم تبرح صورة الأمهات السعوديات عقلي المنهك.. وعجزت عن رسم صورة لعذاباتهن في المستشفيات ومراكز التأهيل والمدارس الحكومية والأهلية.. وتذكرت «الشؤون» ومكاتب «الضمان».. وكفى!

ما الممكن وما المستحيل في معضلة التوحد؟ أتساءل مع كل من أعياهم الجري سنوات طوالا! أتساءل بعد أن تاهت ملامح المشروع الوطني للتوحديين، ولم تنشأ المدارس الموعودة في الرياض، وجدة، والدمام. أتساءل عن مصير كل مراهق وشاب توحدي تعلقت آماله في «مجرد» إجراء! ما يلي، تدوين لأهم ما جاء في هذا الاجتماع:

البيت التوحدي للكبار

حدثونا قليلاً عن الفكرة والمشروع؟ البيت التوحدي للكبار هو مشروع غير ربحي، يهدف لاحتواء من يعانون التوحد في مكان مهيأ علمياً ونفسياً وتربوياً للوفاء بمتطلباتهم، والفئة المستهدفة هي جميع من تجاوزوا 16 من العمر، وقد تلقينا دعوة من بعض أولياء الأمور السعوديين، وها نحن نلبي الدعوة.

كيف لفكرة كهذه أن تتحقق؟ ومن سيشرف على تحقيقها؟ المشاريع المشابهة بحاجة لتضافر الجهود بين الحكومة، والأهالي، والقطاع الخاص، وبهذا يكون كل شيء ممكناً. والجمعية الألمانية للتوحد ستقدم خبرتها الكاملة في هذا المجال، ونحن مستعدون للمساعدة بشتى الصور الممكنة.

هل لك أن تحدثينا عن الجمعية الألمانية للتوحد؟ الجمعية تأسست في هامبورج، عام 1970، وقد تشكلت بجهود من آباء وأمهات، وهؤلاء هم من كونوها كمؤسسة مجتمع مدني في بداياتها ثم أصبحت الجمعية نقطة تجمع مهم لمختلف العطاءات والجهود، وتطور هيكلها الإداري والوظيفي، وأصبح لها كثير من المديرين التنفيذيين، وانضم لها العشرات من الخبرات الطبية والتعليمية البارزة، وها هي الجمعية اليوم تشرف على تشغيل 55 فرعاً في مختلف المدن الألمانية.

الآن، وبعد كل هذا النمو، هل هناك مدارس متخصصة وتابعة لجمعيتكم؟ نعم هناك مدارس كثيرة، ويجري العمل حالياً على الاستغناء عن أغلبها بسبب ما يكفله القانون في الاتحاد الأوروبي من حق هؤلاء الأطفال في التعليم ضمن برامج الدمج، وستظل مشاركة الجمعية في هذا الإطار محصورة في توفير المساعدة التربوية والمشورة الدائمة.

هل هذا كاف للاطمئنان على نجاح المبادرة؟ مسؤوليتنا تمتد إلى مناطق أكثر شمولية، فنحن سنستمر في الإشراف المباشر على مراكز المعالجة والتأهيل.

كم عدد مراكز المعالجة والتأهيل التي ستستمرون في تشغيلها والإشراف عليها؟ هناك 50 مركزاً في ألمانيا لعلاج التوحديين، وهناك مركز رئيس للإشراف والمتابعة.


عودة إلى «البيت التوحدي للكبار»، كم عمر أقدم بيت من هذا النوع في ألمانيا؟ مركز الكبار الأول عمره الآن 56 عاماً.

ألم تواجهوا صعوبات آنذاك مع انخفاض الوعي بماهية التوحد؟ الأهل كانوا عاملاً مباشراً في نجاح الفكرة، وإظهارهم للمعاناة في وسائل الإعلام جذب الأنظار إليها، وهذا ما أجبر القطاع الخاص والمؤسسات المدنية على الاهتمام، والالتفات، وتقديم مساعدتهم لهذه الشريحة من المجتمع الألماني. ولا يفوتني هنا أن أنوه بوجود حراك مشابه في السعودية، والسبب هو الأهالي بالتأكيد.

مع كل هذا الجهد، ما الدور الذي تلعبه الجمعية الآن بالتحديد؟ توفير مراكز علاج، الكشف، التشخيص وغيرها من الضروريات. وفي الجانب التربوي نوفر منشآت تعليمية ابتداء من فئة رياض الأطفال ووصولاً إلى مراحل متقدمة جداً بحسب استجابة الحالة.

ما طبيعة هذه المراكز التربوية والتعليمية؟ هي منشآت ومراكز صممت خصيصاً لتوفير مفهوم المركز العلاجي، إضافة للهوية التربوية، وما يتبعها من عمل تعليمي.

هل لنا بتوضيح أكثر؟ انظر، في التوحد هناك هوية لكل حالة من الحالات، ولا يمكن أن تجد نسختين مكررتين من كل طفل أو طفلة. فلكل احتياجاته وقدراته، وعلى هذا الأساس نهيئ المراكز لتلبي مختلف المتطلبات.

كيف وصلتم إلى كل هذا القدر من المهنية؟ المجتمع الألماني ربح القضية على المدى الطويل، والفضل في ذلك يعود لإيصال الأهالي لأصواتهم، إضافة إلى تفهم الحكومة لأهمية احتواء ذوي الاحتياجات الخاصة، ومدى أثر هذا على الإنتاجية، والاقتصاد، والأسرة، وقائمة طويلة من الوعي الاجتماعي.

الدور الحكومي

هل ستتكفل الجمعية بنفقات تعليم الأطفال في برامج الدمج المدرسية؟ لا... أبداً! فهذه مسؤولية الحكومة. وستدفع جميع النفقات المترتبة على هذا الإجراء مهما بلغت تكاليفه، وهم ملتزمون بهذا التزاماً كاملاً.

اسمحي لي أن أسأل: أي جهة في الحكومة تعنين؟ وزارة الشؤون الاجتماعية بالطبع! وقد بدأ التعاون الفعلي بينها وبين وزارة الصحة الألمانية لتوفير الجانب العلاجي كذلك، التعاون بين الوزارتين مباشر وعلى صلة وطيدة، والجميع لديهم الرغبة الأكيدة في توسيع النشاط الإنساني للمهمة ودمج التوحديين بطرق مختلفة تتناسب واختلاف الاحتياجات.

إلى أي مدى تبدو الحكومة متجاوبة مع المتطلبات المتزايدة للتوحديين وذويهم؟ الحكومة لا تملك حق الاختيار في هذا الجانب، فهي ليست عملية تصويت على قرار سياسي ما أو طعن في شكوى تعويض، إننا نتحدث عن حقوق إنسانية هنا، ولا تملك الحكومة خياراً سوى الوفاء به.

في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، هل ستتمكن الحكومة من الوفاء بالتزامها تجاه هذا المشروع الضخم والمكلف؟ الحكومة الألمانية مدركة تماماً لقضية أن تكلفة علاج وتأهيل وإيواء التوحديين هي الأعلى على الإطلاق في خدمات التربية الخاصة وذوي الاحتياجات الخاصة.

كم تبلغ تكلفة تأهيل وتعليم الطالب الواحد؟ كل طالب يكلف الحكومة الألمانية 300 يورو يومياً، وهذا ما يغطي تكاليف تعليمه وتأهيله من قبل مختصين بشكل يومي.

ماذا عن الاضطرابات أو الإعاقات الأخرى؟ الإعاقات الأخرى لا تكلف الحكومة أكثر من 200 يورو لكل شخص يومياً، وهنا يكمن الفرق، فالتوحديون يحتاجون إلى جهد أكبر وأكثر شمولية.

كيف تبررين هذا الارتفاع في التكاليف؟ المختصون الألمان في التوحد هم الأعلى أجراً بين نظرائهم في التخصصات الأخرى، ولكي يتحول الشخص التوحدي إلى شخص منتج، وفاعل، ومتكيف مع مجتمعه فعلينا أن ننفق بسخاء.

مراكز الثيرابي

توجهنا بسؤالنا هنا إلى الدكتور توبياس ليبرت، المختص في العلاج السلوكي للتوحديين وقلنا:

ما الدور الذي تقدمه الجمعية علاجياً؟ الجمعية لديها مركز علاجي رئيس، ويشرف على 50 مركزاً علاجياً في مختلف المدن الألمانية. ولديها كذلك مراكز للتشخيص والكشف المبكر والمتواصل.

ما نوع التداوي الذي تقدمه هذه المراكز؟ للتوضيح، أود أن أقول إننا لا نتعامل بالعلاج الدوائي مطلقاً، وفي كثير من الأحيان نحن ضده، وهذا مبني على تجربة ومراقبة وخبرة. مراكزنا للعلاج السلوكي فقط، ولهذا الأمر ما يتبعه من تأهيل وتوعية أهالي ومتابعة.

ما الفئة العمرية المخدومة من قبل المراكز؟ نبدأ في استقبال الأطفال من عمر ثلاث سنوات، وهناك برامج مختلفة لكل حالة.

كم يبلغ عدد المعالجين في كل مركز؟ هناك مراكز تحتوي على 150 معالجاً في المدن ذات الكثافة السكانية العالية، بينما بعض المراكز في المدن الصغيرة تكتفي بخمسة معالجين فقط.

ما عدد الحالات التي يشرف عليها كل معالج؟ نسبة المعالجين إلى المستفيدين من العلاج تبلع 1 إلى 3، أي أن هناك مختصا واحدا لكل ثلاث حالات.

كيف تصف عملية المعالجة؟ وما أبرز العقبات؟ التوحد اضطراب مركب وشديد التعقيد، وتكلفة علاج وإسكان الأطفال التوحديين هي الأعلى على الإطلاق، ولكن النتائج المذهلة التي يخرج بها كثير من المتعالجين تدفع للاستمرار والتوسع للوصول إلى أكبر شريحة، فهذا حقهم جميعاً.

إنسانية التعامل

توجهنا بأسئلتنا هذه المرة إلى الدكتور كريستوف جوتوالد، وبدأنا بما يلي:

كيف يتعايش التوحدي البالغ مع إعاقته في ألمانيا إن لم تتحسن الحالة بشكل كبير؟ الحكومة الألمانية كفلت للشخص الذي يعاني التوحد راتباً شهرياً ثابتاً، فرصة وظيفة بدخل مادي لائق، ناهيك من شمولهم بنظام التقاعد بعد الـ 60 والذي يضاف مردوده للمخصص المالي السابق ذكره.

ما الغاية الأسمى من كل هذا الدعم لذوي الاحتياجات الخاصة؟ اسمح لي أن أستعير، كمثال، ما نحن بصدده اليوم، فالمراكز المنتشرة في ألمانيا تفر الحياة النوعية المنشودة التي يستحقها كل منتم لذوي الاحتياجات الخاصة.

قد يرى البعض ترفاً فيما تذكرون! أين هو الترف؟ هذه الخدمات لا ترف فيها! هي مجرد خدمات توفر حقوقاً مشروعة للتوحدي ولأسرته، وهنا أؤكد لك أن أسر الأطفال التوحديين لا يعيشون حياة «طبيعية» مع أبنائهم في المحيط الاجتماعي العام. وطالما أن بإمكان الحكومة ومؤسسات المجتمع أن تقدم خدماتها، فما المانع؟ وما المانع في أن تمارس الأسرة حياتها الطبيعية؟

ألا تعتقد بذلك أننا ننقل الأطفال إلى سجون نظيفة وحسنة الترتيب؟ هذه الأماكن ليست سجوناً على الإطلاق، هو يوم دراسي طبيعي وينتقل بعده الدارس من التوحديين لممارسة وجوده كفرد من أفراد المجتمع: يشتري، يبيع، يفرح، يستاء، يستخدم وسائل النقل، يعبر الطريق... إلخ! قبل أن يعود للمكان الذي يتفهم احتياجاته، ويساند أسرته في مهمتها الحياتية. نحن نمنح الطفل حريته الكاملة يا سيدي، والتي ربما يحرمه منها المجتمع في وقت من الأوقات.

التجربة دولياً

هل سبق لجمعيتكم أن قدمت خبرتها في تأسيس «بيت توحدي للكبار» في دول غير ألمانيا؟ تجيب السيدة ماريا: نعم، شاركنا في إنشاء «البيت التوحدي للكبار» في كل من الصين، ناميبيا، المغرب، أبوظبي، أرمينيا، الفلبين، وسنغافورة وغيرها.

كيف وصلتم إلى أبوظبي؟ وكيف تقيمون تعاونكم فيها؟ هي تجربة مهمة بجميع المقاييس، ومن المهم أن أذكر هنا أننا حضرنا إلى أبوظبي بناء على طلب من أولياء أمور الأطفال التوحديين. لقد تنبّهت حكومة أبوظبي لأهمية المسألة، وكان أن تم تفعيل المشروع.

متى بدأ مشروعكم في أبوظبي؟ ومتى انتهى؟ البداية كانت في عام 1999م، وانتهى العمل بالكامل مع تسليم المشروع للحكومة في عام 2002م.

كم عدد المستفيدين من المشروع؟ في البداية كان العدد قليلاً، لا يتجاوز 25 مستفيداً، والآن وصل العدد إلى أكثر من 40 حالة على حد علمي.

هل هناك مشاريع أخرى في المنطقة؟ نعم، كان هناك تواصل مع عدد من المراكز المتخصصة في الشارقة.

ماذا عن السعودية؟ العمل جار الآن على إنشاء «البيت التوحدي للكبار» في الرياض، والخطوات في بداياتها، وأتت المبادرة بفضل جهود من أولياء الأمور الساعين لتفعيل المشروع، وقد حضرنا لتوفير الخبرة المطلوبة، حيث سيكون التدريب في البدايات بخبرات ألمانية.

في تصوركم، ما الصعوبات المحتملة لإنشاء مراكز متخصصة تربوياً وفي التأهيل والإيواء الكامل في السعودية؟ نستطيع أن نوجزها لك فيما يلي: - أولاً: الدعم الحكومي مطلوب وأساسي. - ثانياً: دعم الأهل وتحفيز المجتمع. - ثالثاً: تطوير الجانب التوعوي. - رابعاً: اعتبار ذي الإعاقة جزء مهم جداً من مجتمعه. - خامساً: الابتعاد عن التمييز اللوني، والجنسي، والطبقي. - سادساً: الشراكة بين النساء، والرجال الكبار، والصغار هي أساس للنجاح.

ما توقعاتكم لتكاليف إنشاء «بيت للكبار» في كل مدينة على حدة؟ التكلفة التقريبية تراوح بين 100 و120 مليون ريال، وهذه التكلفة تشمل الإنشاء، وبعض النفقات التأثيثية فقط. كما سيكون هناك بالطبع تكاليف للتشغيل والصيانة وغيرها.

كيف سيتم توفير الخبرات لإدارة مكان شديد الخصوصية كهذا؟ نحن ملتزمون بتوفير الخبرات، وسيتقلص عدد خبرائنا تدريجياً بعد نقل الخبرة للكفاءات الوطنية لديكم. فهؤلاء هم القادرون على المواصلة وليس أي جنسية أخرى.
بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  672
التعليقات ( 0 )