• ×

قائمة

شيرين رضوان.. صماء تصغي لنداء الإبداع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 كثيرة هي النماذج المضيئة في مجتمع الإمارات من جانب ذوي التحديات الخاصة والذين لم تقف الإعاقة حاجزاً أمامهم من اقتحام أسواق العمل والمساهمة في التنمية كتفا إلى كتف على حد السواء مع سائر أفراد المجتمع، بل إن بعضهم تفوق على الأسوياء في عملهم وواصل حياته وكأنه لا يعاني من أي أعاقة، وبين أيدينا اليوم حالة لفتاة ولدت مصابة بداء الصمم ورغم ذلك تعلمت لغة الإشارة واستطاعت التواصل مع غيرها وعندما كبرت نمت هواياتها المتعددة في الخط والرسم وتصميم الأزياء وصناعة التحف واللعب وعملت في إحدى صحف الدولة ثم تزوجت وأصبحت مسؤولة عن أسرتها وتقوم بواجباتها الزوجية على أكمل وجه، إنها شيرين نعيم رضوان.



إصابة في الصغر... في بيت شيرين كان اللقاء بحضور والدها نعيم رضوان والذي حدثنا عن طبيعة إصابتها، فقال قبل ولادة شيرين بسنة ولد الابن الأكبر شادي وكنا نعتقد أنه طبيعي ولا يعاني من أي مشكلة، وفي سن الثانية من عمره أصيب بالتهاب حاد وارتفعت حرارته كثيرا فقمنا بعرضه على الطبيب فأخبرنا بأنه لا يسمع ويعاني من الصمم، وعندما اكتشفنا حالة شادي بادرنا لفحص شيرين فأخبرنا بأنها أيضا تعاني من الصمم مع أننا لم نلحظ عليها شيئا كهذا، ثم سافرنا بالطفلين إلى بريطانيا وعرضناهما على احد الأطباء الأخصائيين في لندن فأكد وجود مشكلة في الأعصاب السمعية، كما أفادنا احد أطباء الأرض المحتلة في القدس بعرض الحالتين عليه أن الوقت الآن متأخر لإجراء أي علاج وأنه لو جرى تركيب سماعات لهما وهما في الشهور الأولى من عمرهما لأصبحا الآن يسمعان جيدا. وفي سن السادسة تم إدخال شيرين إلى مدينة الشارقة للخدمات الإنسانية لتتعلم النطق بتحريك الشفاه وهو ما يسمى بالنطق المنغم، وقد طلبت من إدارة المدينة تعيين زوجتي وهي بالمناسبة قريبتي لتتمكن من التواصل مع شيرين وشادي فتم بالفعل تعيينها هناك وجرى إدخالها في عدة دورات خاصة بالصم والبكم، وأصبحت أمهما تتعامل معهما بلغة الإشارة أما أنا شخصيا فكنت أتعامل معهما بالكلام والنطق أو الكتابة ولم أستخدم لغة الإشارة لأنني حقيقة لم أتقنها، وقد استفاد شادي وشيرين من أخويهما الآخرين اللذين ولدا طبيعيين وكانا يتمتعان بالنطق وتعلما بعد ذلك لغة الإشارة للتواصل معهما.

image

فقدان الأم... لكن هذه الأسرة تعرضت لنكسة كبيرة بوفاة الأم بينما كانت شيرين في الرابعة عشرة من عمرها وأصبح العبء كله منصباً على الأب وإن كانت شيرين تقوم ببعض المهام المنزلية. تتمتع شيرين بالذكاء الحاد ولديها مواهب متعددة في مجالات الرسم والخط وأعمال الديكور وتصميم الأزياء وقد اشتركت في بينالي الشارقة وفي مسابقات العيد الوطني للإمارات واختيرت إحدى رسوماتها عام 1993 كطابع بريد متداول في الإمارات، وفي شهر مايو 2009 اشتركت في المعرض الدولي للأزياء في دبي وفازت إحدى تصميماتها بجائزة من الشيخ ماجد بن محمد بن راشد آل مكتوم رئيس هيئة الثقافة والفنون في دبي وقام بتسليمها الجائزة سمو الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم ، وأثناء وجودنا في بيتها لاحظنا أن شيرين تزين البيت بالعديد من اللوحات الفنية التي رسمتها وبعدد آخر من لوحات الخط العربي التي قامت بتخطيطها ثم عرضت علينا مجموعة أخرى من أعمال الحرف اليدوية التقليدية التي تقوم بعملها أثناء وقت فراغها، ومنها علب مغلفة بالقماش والتطريزات.

image

مهارة في العمل... منذ أكثر من 10 سنوات التحقت شيرين بالعمل في إحدى المؤسسات الصحافية المحلية وتحديدا في قسم الأرشيف والمعلومات، وتقول عن تجربتها: «أقوم بحفظ الصور حسب أرقامها المتسلسلة على جهاز الكومبيوتر وأرشفة العدد الأسبوعي من المجلة واستخراج الصور وتلبية طلبات الزملاء، ومنذ البداية أظهرت استجابة سريعة في تعلم التقنيات التي يتطلبها العمل وحرصا شديدا على الاستفادة من خبرة الآخرين في هذا المجال، وعدم إضاعة الوقت فيما لا يفيد، مما اكسبني احترام المسؤولين وتقديرهم لي، وكل تشجيع للاستمرار بمثل ذلك النشاط المميز». وأبدت شيرين في العمل تواصلا جيدا مع زملائها وتضيف بهذا الصدد: «ما أسعدني أن أحد الزملاء معي في العمل هو أيضا من فئة الصم كما أن إحدى الزميلات تعلمت لغة الإشارة بسرعة وتقوم بشرح كلامها لمن لا يعرف لغة الإشارة ممن يزورون القسم أو من بقية الزملاء العاملين في المؤسسة، وأنا على معرفة جيدة باستخدام الانترنت حيث أتواصل من خلاله مع العالم ومع غيري من ذوي التحديات الخاصة بالإضافة لاستخدام الهاتف الموصول بالكاميرا لاستخدام لغة الإشارة مع من هم في مثل حالتي وخاصة شقيقي شادي». وتضيف: «أدعو للالتفات أكثر نحو الصم من ذوي الاحتياجات الخاصة في التوظيف وتحسين وضعهم المادي والاجتماعي والتعامل معهم كالأسوياء وكبقية الناس العاديين والتقرب إليهم أكثر وتعلم لغتهم لتفهم مشاكلهم واحتياجاتهم، وأن تتاح لهم الفرصة لمتابعة تعليمهم الجامعي لتحقيق ذاتهم بدرجة أكبر ورفع مكانتهم الاجتماعية والعملية».


مسؤولية الأسرة


قبل 7 سنوات تزوجت شيرين من عبد الإله جاعة المغربي الجنسية والذي قال انه يشعر بالسعادة في بيته ولا ينقصه أي شيء وأنه يتواصل مع زوجته بالكلام أكثر من لغة الإشارة فهي تفهم عليه بلغة الشفاه وقد تحسن نطقها كثيرا خاصة بعد استخدام السماعة وتستطيع النطق بالعديد من الكلمات بشكل صحيح.


أما شيرين نفسها فقالت إنها بعد الزواج ازدادت مسؤوليتها وأصبحت تقوم بكل متطلبات البيت وتتحملها بشكل كامل، وتتمنى أن يرزقها الله بالأبناء حتى تكتمل سعادتها ويتحقق حلمها الوحيد في هذه الدنيا.


انزعاج من نظرة الآخرين


في بداية حديثنا مع شيرين سلمتنا ورقة كتبتها بنفسها تعرض فيها بعض ملاحظاتها وانطباعاتها وأبدت امتعاضها وشكواها من نظرة بعض الناس لها فقالت: أنا أعاني من مشكلة واحدة وهي عندما أكون خارج المنزل وأحتاج للكلام بالإشارة مع أحد أشعر وكأن الجميع يراقبني وينظر إلي بنقص أو بالعطف والشفقة لحالتي.


وهذا ما يزعجني كثيرا ويخيفني، لكني عندما أعود إلى البيت أشعر أنني من الداخل أقوى وازداد تحدياً لأشعرهم أنني لست بأقل منهم لأقنعهم بأننا أسوياء مثلهم تماما وعليهم تقبل حالتنا هذه كما خلقنا الله الذي لا اعتراض على حكمه.

بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  594
التعليقات ( 0 )