• ×

قائمة

ذكرى حرب غزة.. الألم ما زال يعتصر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 تَمرُّ هذه الأيام الذكرى الأولى للعدوان الصهيوني الإجرامي على قطاع غزة، وهي الذكرى التي إن مرَّ عليها سنوات وسنوات لن ينساها ساكنو القطاع؛ نتيجة الألم الذي اعتصرهم والمعاناة التي عايشوها والمأساة التي لم يرَ غيرهم مثلها، وهي المأساة التي لا زالت تعيش في وجدانهم مع استمرار الحصار والتضييق عليهم ومنع دخول أية مساعدات إنسانية من معبر رفح من قِبل السلطات المصرية التي تفكر الآن في الإجهاز على مواطني غزة ببناء جدارٍ فولاذيّ يقضي على الشريان الأخير في نعشهم وهو الأنفاق.

\"حرب الفرقان\".. بهذا المعنى أحيا فلسطينيو غزة ذكرى الحرب التي بدأت لحظاتها الأولى عندما قاربت الساعة الحادية عشرة والنصف من ظهر يوم السبت (27-12) من العام المنصرم، حيث ألقت طائرات الاحتلال الصهيونية أطنانًا من المتفجِّرات على أجساد ضباط الشرطة الفلسطينية وجنودها في مقرّ الجوازات وسط مدينة غزة؛ حوَّلتهم إلى أكوامٍ من اللحم؛ حيث قتلت في اللحظة الأولى أكثر من 280 جنديًّا وضابطًا.

وبعدها استمرَّت الحرب لتطال بيوت المدنيين العُزَّل ولتبيد عائلاتٍ بأكملها عن بَكرة أبيها؛ وبعد 22 يومًا من القتل المنظَّم لكل ما هو فلسطيني في قطاع غزة أسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من سبعة آلاف فلسطيني بمباركة أمريكية وتحركٍ عالمي خجولٍ وصمتٍ عربي مذهلٍ؛ انسحبت الترسانة العسكرية الصهيونية التي شاركت في الحرب بحرًا وبرًّا وجوًّا دون شروطٍ مسبقةٍ، وأُعلن وقف إطلاق النار من جانبٍ واحدٍ في ليلة العشرين من يناير 2009، فيما بقيت المقاومة الفلسطينية تطلق صواريخ باتجاه البلدات الصهيونية لتؤكد أنها ما زالت بخير وأنها هي المنتصرة.

الذكرى

ولمن عاش هذه الحرب الإجرامية كانت له العديد والعديد من الذكريات التي ما زال يتذكرها وكأنها بالأمس القريب، حيث سقوط الضحايا أشلاءً أمام أعينِهم.. ويتذكر الفلسطيني خالد عبد ربه (32 عامًا) ساعات الموت المتواصل التي عاشتها عائلته خلال الحرب، وفقد خلالها طفلتيه أمل (عامان) وسعاد (7 أعوام) أمام ناظريه قبل عام من هذا التاريخ، وقال: \"هنا أطلق جنود الاحتلال النار علينا جميعًا من مسافة لا تزيد عن 10 أمتار، ومنعوني من الخروج لإسعاف بناتي الثلاثة قبل أن تفارق اثنتين منهما الحياة وأمي التي ظلَّت تنزف لساعاتٍ قبل أن أنقلها على عربة كاور التي استشهد صاحبُها وقتل الحصان\".

وأوضح في تصريح لصحفي ، أنه لا يستطيع أن يمحوَ من ذاكرته تلك الأيام الصعبة، لأنها أصبحت جزءًا أساسيًّا من ماضيه وحاضرِه، مشيرًا إلى الأوضاع الصعبة التي يعيشها مع عائلته بعد تدمير قوات الاحتلال لمنزله أُسوةً بآلاف المنازل التي تعرَّضت للتدمير الكلي أو الجزئي خلال العدوان.

ولم تستطع الأم حبس دموعها وهي تعود بذاكرتها إلى الوراء لتتحدث عن تفاصيل مشهد الموت الذي رأته بأم عينها، وقالت: \"كانتا تسيران بجانبي لحظةَ إطلاق النار ولم يكن أيّ مسلح في المكان، بل رفعتا معنا الرايات البيضاء لنحصل جميعًا على الأمان، فما كان من هؤلاء المجرمين إلا أن أطلقوا النار باتجاهنا\".

وتابعت حديثها وهي تحتضن ملابس ابنتيها، \"كل الذكريات الحلوة التي عشتها في حياتي أزالتها صورة استشهاد أمل وسعاد، ولا أعتقد أن الاحتلال سيتركنا في حالنا حتى بعد كل الدمار الذي أحدثه\".

أما أكثر ما يؤلم محمد شراب (64 عامًا) الذي فقد ولديه كساب (28 عامًا) وإبراهيم (18 عامًا) برصاص جيش الاحتلال في مشهد درامي استمرّ أكثر من 20 ساعة في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، هو أن القتلة ما زالوا أحرارًا من دون محاكمة أو عقاب، رغم أن أدلة الجريمة واضحة ولا يمكن إخفاؤها، كما قال.

وأوضح أن الذكرى الأولى للحرب تَمرُّ عليه كما تمر على أي أبٍ فلسطيني فقد فلذات كبده أمام عينيه، \"فلا الحزن أو الألم أو البكاء قادر على التعبير عن مرارة الشعور الذي أمرُّ به هذه الأيام، خصوصًا عندما أسير بجانب موقع الجريمة وأستذكر ما حدث لحظةً بلحظة\".

وأضاف شراب مصوبًا نظره نحو صورة لولديه على جدران الحائط: \"شابان في مقتبل العمر استشهدا وأنا أحتضنهما، لن أستطيع نسيان ذلك لأن يدي وجسدي وعينيّ وكل شيء سيذكرني بهما حتى ألقى ربي\".

أما عائلة بعلوشة، فتتساءل عن الذنب الذي اقترفته حتى تفقد خمسة من بناتها في عملية قصف جوي لمسجد (عماد عقل) في جباليا شمال قطاع غزة، \"ألا يعد ذلك جريمةً بحق الإنسانية يجب أن يعاقَب من اقترفوها؟ أم أن ميزان العدالة في هذا العالم معوجّ\"؟

ورغم مرور عام على الحرب، إلا أن والدي الشهيدات الخمس تحرير وإكرام وسمر ودينا وجواهر (17 و15 و13 و8 و4 أعوام) لا يزالان يعيشان مشاعر الحزن، لدرجة أن الأم لا تنام قبل أن تقبل صورة جماعية لبناتها اللواتي استشهدن بعد أن هدم المنزل فوق رءوسهن.

وقالت: \"لم تجلب لنا هذه الحرب إلى الدمار والخراب، ولا يمكننا نسيان الجراح التي أصابتنا جرّاء اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي ليس بعد مرور عام فقط ولكن بعد مرور كل الأعوام\".

وأضافت: \"كان الاحتلال يتحدث عن استهدافه للمسلحين، لكن في واقع الحال أكد أن الأبرياء هم من سقطوا خلال العدوان\".

فيما يؤكد هشام السموني أن حزنه يتجدَّد في ذكرى مرور عام على استشهاد 29 من أفراد عائلته بينهم والدته خلال الحرب، ويقول: \"أنا حزين عندما أتذكر أمي وأبناء أعمامي وهم يموتون شهداء بدون ذنب ارتكبوه\".

ويضيف السموني الذي يملِك ورشةً صغيرة في حيّ الزيتون شرق مدينة غزة: \"نطالب العالم بالالتفات إلى المأساة الفلسطينية ووقف الجرائم الإسرائيلية وإعادة بناء بيوتنا المدمرة\".

وإضافةً إلى استشهاد 29 من أفراد عائلة السموني في هذا الحيّ الفقير والمكتظّ بالسكان دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي بالجرافات عشرات من منازل العائلة بعد قصفها بالقذائف، ولا تزال عائلة السموني تقيم خيامًا مؤقتة فوق ركام المنازل المدمرة بجانب مسجد الحي المدمر.

ويقول الطبيب معاوية حسنين مدير عام الطوارئ والإسعاف في وزارة الصحة في غزة: إن الحرب كانت \"أيامًا سوداء, 1450 شهيدًا سقطوا في الحرب منهم 439 طفلًا و127 سيدة و139 من كبار السن وستة صحفيين و16 مسعفًا\".

ويوضح أن: \"5570 فلسطينيًّا جُرحوا منهم 700 معاق حركيًّا وسمعيًّا وبصريًّا لا زالوا يتلقَّوْن خدمات طبية كاملة في مراكز الرعاية والتأهيل\"، ويضيف أن بين هؤلاء \"180 فلسطينيًّا فقدوا الأطراف العليا أو السفلى أو كليهما\".

ويشكو حسنين من \"نقص حاد في العلاج\", وقال: \"بعد عام على الحرب نواجه شحًّا في الدواء وكأن العالم نسي غزة\"، ويتابع: \"نعيش مأساة حقيقية, الحرب علمتنا الصمود وآن الأوان لوجود وحدة وسلام شامل وعادل وإنهاء الحصار وإعمار غزة\".

وفي مقرّ قيادة الشرطة التي تديرها حماس تجمع مئات من أفراد الشرطة لإحياء ذكرى عشرات استُشهدوا من زملائهم قتلوا في اللحظات الأولى للهجوم الصهيوني الجوي الذي بدأ بإطلاق عدة صواريخ على المقر.

كما تجمع عشرات الفلسطينيين في ساحة مدرسة الفاخورة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في مخيم جباليا مستذكرين استشهاد وإصابة عشرات الفلسطينيين إثر \"قنابل تحتوي على الفوسفور الأبيض\" المحرم دوليًّا.

وفي ساحة الجندي المجهول في غزة شارك مئات الأطفال في تظاهرة نظمتها جمعية \"مبرة الرحمة\" التي ترعى الأطفال الأيتام الذي طالبوا بمحاكمة القادة الصهاينة المسئولين عن الحرب.

إدانة دولية

وقد أدان العالم الحر بالفعل الحرب المجرمة التي شنها الكيان الصهيوني على القطاع، وكان أول من كشف عن تلك العمليات الإجرامية، هو التقرير الذي أصدره مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية ريتشارد فولك في تقريره الذي رفعه للمجلس العالمي لحقوق الإنسان وقال فيه: إن هناك من الأسباب \"ما ترجّح\" اعتبار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة \"جريمة حرب خطيرة\"، وأوضح فولك في تقريره أن \"اتفاقيات جنيف تلزم القوات المتحاربة بالتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين المحيطين بها، وإذا تعذَّر تحقيق ذلك فإن شن الهجمات يكون غير قانوني أصلًا، ويشكل غالبًا جريمة حرب على أكبر قدر من الجسامة بموجب القانون الدولي\".

واستطرد: \"وعلى أساس الأدلة المبدئية المتوفرة فهناك أسباب توصلنا إلى هذه النتيجة بالنسبة للحرب الإسرائيلية على غزة \"، مشيرًا إلى أن الجيش الإسرائيلي \"استهدف مناطق مكتظة بالسكان، علاوة على أنه نظرًا لإغلاق حدود القطاع لم يكن لدى المدنيين فرصة للفرار من تلك الهجمات، وحرمان الناس من حق الفرار من منطقة الحرب ربما يشكل بدورِه جريمةً ضد الإنسانية\".

ثم جاء تقرير اليهودي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون الذي أدان سلطات الاحتلال وحمَّلها ما آلت إليه الأمور بقطاع غزة بعد الحرب، وأكد ارتكاب إسرائيل جرائم حرب بالقطاع، وأسقط ذرائعها في هدم المساجد وقصفها بزعم استخدامها في المقاومة، وتسجيله تأكيدات واضحة أنها تعمَّدت قتلَ المدنيين ومهاجمة المستشفيات ومراكز الإغاثة، وتقديمه رصدًا واضحًا لكافة الأسلحة الإسرائيلية المحرمة دوليًّا.

وطالب التقرير مجلس الأمن والمحكمة الدولية الجنائية بمحاكمة المسئولين الإسرائيليين عن المذابح، ومطالبته بعقوبات دولية على إسرائيل بسبب الحرب، وهو التقرير الذي أيضًا كان له دور كبير في ملاحقة قادة الحرب الصهاينة ببريطانيا وعدد من الدول الغربية بتهم ارتكاب جرائم حرب وكانت آخرها وزيرة الخارجية السابقة في حكومة الحرب تسيبي ليفني، والتي أصدر القضاء البريطاني قرارًا باعتقالها لولا تهريبُها من قِبل السلطات البريطانية قبل اعتقالها.

ورغمَ كل هذه الإدانات إلا أن الصحف الإسرائيلية كشفت أن رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته- محمود عباس كان السبب الأساسي في سحب مناقشة التقرير في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهو ما كان يعني ملاحقة كافة قادة الاحتلال بتُهم جرائم الحرب كما حدث لليفني.

وبرَّرت وسائل الإعلام الإسرائيلية موقف عباس من التقرير بشريط فيديو عرضه العقيد إيلي أفراهام على عباس يظهر فيه لقاء وحوارٌ دار بين عباس ووزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك بحضور وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، وظهر عباس في التسجيل المصوَّر وهو يحاول إقناع باراك بضرورة استمرار الحرب على غزة، فيما بدا باراك مترددًا أمام حماسة عباس وتأييد ليفني لاستمرار الحرب، فما كان من عباس إلا أن وافق على عدم دعم تقرير جولدستون مقابل عدم إظهار الشريط لوسائل الإعلام العربية وفضحه بأنه كان يدعم قتل الفلسطينيين في غزة.

ذكرى الحرب والجدار المصري

يبدو أن السلطات المصرية لم تكتفِ بكمّ الهجوم الذي طالها خلال الحرب الصهيونية على غزة قبل عام وأنها صمتت حتى انتهت الحرب، وأنها استقبلت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني قبل الحرب بيومين، مما يعني أنها كانت على علم بها، لم تكتفِ السلطات المصرية بكل هذا، بل راحت بعد مرور عام على الحرب تدشن جدارًا عازلًا فولاذيًّا مُصنعًا بأمريكا يعمل على تحطيم الأنفاق التي تعتبر الشريان الوحيد الذي يعيش منه الفلسطينيون في القطاع بعد استمرار الحصار.

وقالت كارين أبو زيد المفوضة العامة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا): إن الجدار يُبنى من الفولاذ القوي وصنع بالولايات المتحدة وقد تم اختبار مقاومته للقنابل، ووصفته بأنه أكثر متانةً من خط بارليف الذي بُني على الضفة الشرقية لقناة السويس قبل حرب أكتوبر 1973 وفق ما نقلت عنها صحيفة \"المصريون\" المصرية.

وأشارت المسئولة الأممية خلال ندوة أُقيمت الاثنين بالجامعة الأمريكية بالقاهرة إلى أن عملية تشييد الجدار الحديدي بدأت بالفعل باستخدام ألواح عملاقة من الفولاذ الصلب، واستمرار أعمال الحفر الرأسية بعمق الأرض.

وأوضحت قبل أيام من مغادرتها منصبَها أن المعلومات لديها تؤكد أن تكلفة بناء الجدار كاملة تكفلت بها واشنطن، وأبدت أسفها لاشتراك الحكومة المصرية بمثل السيناريوهات التي وصفتها بأنها \"سيئة السمعة ولا تخدم إلا إسرائيل\".

وتوقعت أبو زيد أن يكون المردود السلبي طويل المدى على الأمن القومي المصري كبيرًا في حال شنّ أي هجمات إسرائيلية على قطاع غزة، والتي لم تستبعدْ أن تكون قريبًا.
بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  785
التعليقات ( 0 )