• ×

قائمة

دعاء اليونس..طفلة كفيفة بموهبة فذة وذكاء متميز

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
 دمشق-سانا

تعيش في بيت بسيط متواضع ضمن عائلة فقيرة جدا مؤلفة من الأب والأم وثلاثة أخوة وأخت في منطقة شعبية خدماتها دون الوسط تدعى \"البياضة\" التابعة لمحافظة حمص نالت المركز الأول في مسابقات رواد الطلائع بالشعر على مستوى القطر العام الماضي وعلى مستوى المحافظة عام 2007 وبالرغم من أنها كفيفة إلا أنها تمتلك قدرة كبيرة على الإبداع والوصف لكل ما حولها.

دعاء اليونس طفلة في الصف الخامس الابتدائي من مواليد حمص 1998 ولدت دون أعين لكن رغم المآساة التي شعرت بها أسرتها إلا أنها تقبلت الوضع بروح مفعمة بالإيمان واستطاعت الأم غير المتعلمة بالصبر والمثابرة وبمساعدة الأب الذي يعمل سائق تكسي بالأجرة أن تخلق لديها الأمل والحب للحياة والناس ومكنتها من أن تكون طفلة قوية تمتلك الإرادة للتفوق والتميز على أقرانها وأكدت أنها لن تستسلم للوضع الذي هي فيه وستحاول بشتى الطرق لتكون أستاذة تدرس الأدب العربي في الجامعة مستقبلا.

هذه الطفلة ذات الوجه الأبيض والخدود الحمراء والشعر الأشقر الطويل تحدثت بكل جرأة وحب عن كل شيء يحيط بها بوعي وعلم لم نجده عند أي طفل سليم فقالت: إن من أهم الصفات التي يجب أن تتوافر في الأشخاص أن يكونوا أصحاب مواقف بمعنى أن يعرفوا ماذا يريدون من هذه الحياة وماذا يكرهون وماذا يحبون وأن يكونوا متعاونين متحابين كي ينجحوا.

وأضافت دعاء أنها تكره التقاعس والإهمال ومنذ وصولها إلى الصف الثالث حددت ميولها وصممت على أن تنال درجة الدكتوراه في الأدب العربي لأنها تجد جمالية في اللغة العربية تستطيع من خلالها التعبير عن كل شيء يجول في تفكيرها بسهولة وترى فيها المتعة لأنها لغة العرب، لافتة إلى أنها تختلف عن زملائها وزميلاتها في قراءة وشرح القصائد وفي تناولها للمواضيع من جوانب عدة.

وبينت دعاء أنها شعرت في بداية الصف الرابع أن لديها مكنونات داخلية بشأن مواضيع تجول في فكرها ما جعلها تلجأ إلى كتابة الخواطر الشعرية والقصص مشيرة إلى أن أول قصيدة كتبتها كانت عن الأم تقول أمي يا زهرة تنبت في البستان..أراها في عيني كشجرة الرمان ..تفتح عينيها وتقول تعالي لأغمرك بالحب والحنان، فيما حملت الخاطرة التي كتبتها \"شمس الأطفال\" تقول .. ابتسمت الشمس وقهقه السحاب ... وعزفت الرياح موسيقا للأطفال ... جاءت الغيوم ونادت غيبي ياشمس غيبي...لنظهر نحن حاملين مطرا وخيرا للأطفال...وبعدها تعالي ياشمس الأطفال...وعن أول قصة كتبتها أشارت دعاء إلى أنها كانت عن النصر الناتج عن الوحدة لأن النصر يعطينا الحرية، والوطن الذي لاينتصر على أعدائه يبقى مسلوب الحرية كما كتبت مسرحية عن الفصول الأربعة أبطالها الطلاب والمعلم يتخللها أغنية مبينة أن المسرحية تختلف عن القصة لأن المسرحية يجب أن تمثل من قبل أشخاص، أما القصة يمكن قراءاتها وفهمها من غير تمثيل.


وتابعت دعاء: الأشخاص الذين يمتلكون مواصفات جميلة تصفهم دائما من الطبيعة لأن الطبيعة في نظرها جميلة بأشجارها وهوائها ومائها تجد فيها النقاء والصفاء وقالت إنها تحب البحر لأنه واسع والمطر لأنه يغسل الدنيا ويعطينا الأمل في الحياة وتكره الحرارة المرتفعة وتفضل فصلي الربيع والخريف لأنها تجد فيهما جمالية قريبة إلى روحها وفكرها وتفضل زهرة الياسمين لأنها تحمل رائحة عطرة وشجرة الليمون لفائدته الكبيرة.

وأوضحت دعاء أنها تندمج مع التلفزيون وتستطيع تخيل الموضوع الذي تسمعه والتحدث عنه إضافة إلى أنها تجد متعة في سماع بعض البرامج وخاصة التعليمية والبرامج الأخرى التي تقدم معلومة يمكن الاستفادة منها كما أنها تفضل الحوار مع الآخرين كونه أفضل طريقة للتفاهم.

وعندما سألناها عن أصدقائها قالت إن أمها هي أقرب صديقة لها إضافة إلى بنت عمتها لأنها تحاورها وتتحدث معها بطريقة مختلفة وتعلمها كيفية التحرك وفي المدرسة لديها صديقتان أصحاء تحبهما كثيرا لأنهما تقدمان المساعدة لها بلطف وحب.

وعن طريقة المعاملة التي تتلقاها من أهلها أكدت دعاء أنها تعامل كأي طفلة دون تفرقة مع أخوتها وتتلقى التنبيه من أسرتها عندما تقوم بفعل غير جيد إلا أنها أكدت أنها تحاول دائما أن تكون مثالا للفتاة المتفوقة القادرة على القيام بأشياء يفتخر بها.

وأشارت إلى أن المدرسة في أغلب الأحيان لاتتمكن من توفير كامل الكتب وخاصة الرياضيات والديانة ما يشكل صعوبة بالنسبة لها في متابعة دروسها ما يجعل المدرسات المختصات يبذلن جهودا أكبر لتوصيل المعلومة لنا لكن رغم ذلك تشعر أن هناك نقصا في الفهم.

وفي كلمتها الأخيرة وجهت الطفلة دعاء شكرا كبيرا لوالدتها ووالدها ومدرسيها ولاسيما أمها التي تبذل جهودا مضاعفة لتكون دائما مرتاحة ومتفوقة ضمن الإمكانيات المتوافرة لديها.

أثناء تواجدنا في منزلها استقبلتنا الأم والجدة التي تربت دعاء على يدييها وكانت أول من اكتشف أنها ليست ككل الأطفال لأنها لاتملك عيونا مثلهم في تلك اللحظة حاولت أن تخفي الموضوع عن والديها خوفا عليهما إلا أن الأب عندما شاهدها وجدها مختلفة فسأل أمه عن حقيقة الأمر التي أجهشت بالبكاء وقتها ولم تستطع تمالك نفسها وبدأت بمواساة ابنها للتخفيف عنه وطلبت منه أن يتحمد ربه على كل شيء لكن الأب لم يستسلم ورغم ضعف إمكاناته المادية حمل ابنته ودار بها من طبيب إلى طبيب ومن مشفى إلى مشفى في محاولة لإيجاد بادرة أمل تغير من الحقيقة التي ظل يكذبها إلى أن أكد له الأطباء أن الوضع خلقي ولايمكن تغييره.


الأم زينب هذا المخلوق الصبور تلقت الخبر بقلب كبير ووعي تجسد من خلال متابعتها لتربية هذه الطفلة والتعرف على الأشياء التي تساعد دعاء لتكون فتاة مختلفة بكل شيء بالرغم من أنها مكفوفة. ولدى سؤالنا عن صلة القرابة مع زوجها أوضحت زينب أن القرابة بعيدة جدا لاتؤدي إلى ذلك لافتة إلى أن هذا ماأكده الأطباء بعد ذلك إضافة إلى أنها أكدت أن في العائلة لاتوجد حالة مشابهة.

وعن معاناتها قالت الأم: إن حالة دعاء تحتاج إلى أشياء مختلفة لتتمكن من التعلم وهذا الأمر لم تكن تعرفه وليس عندها أي معلومة عنه ما جعلها تبدأ مسيرة البحث والاكتشاف فلم توفر شخصا ولامؤسسة للحصول على الأشياء التي تمكنها من تعليم ابنتها وسعت لتعلم طرائق تساعدها في ذلك إلى أن الوضع المادي السيئ خلق أمامها الكثير من الصعوبات التي لا تزال قائمة.

وأشارت إلى أن دعاء في بداية حبوها كانت تبكي بشدة إذ كانت تعاني من مشكلة معينة ولاتستطيع التعبير عنها مما يضطر الأم إلى تجربة جميع الوسائل للتعرف على أسباب راحتها لكن ذكاءها ساعدها بعد ذلك تخطي الكثير من الأمور.

وقالت إن جميع الملاحظات التي كانت تتلقاها تستوعبها بسرعة وتبقى في ذهنها وتفهمها ما جعلها مختلفة عن إخوتها منذ صغرها وبعد أووصلت إلى سن يمكنها دخول روضة المكفوفين أدخلتها تلك الروضة ظلت بها عامين ما ساعدها على تعلم الكثير من الأشياء بسرعة هذا ما صرحت عنه مديرة الروضة التي أكدت أنها وجدت دعاء مختلفة عن كل الأطفال لما تمتلكه من قدرات غير موجودة عند مثيلاتها وتوقعت لها مستقبلا مهما، وأضافت الأم أن دعاء تحب أن تكتشف وتطلع على كل شيء.

مدرسة الوليدية للتعليم الأساسي التي تتلقى فيها دعاء تعليمها نفذت مشروع الدمج بين الطلاب الأصحاء وذوي الاحتياجات الخاصة منذ أعوام عدة وهي واحدة من بين خمس وعشرين مدرسة موزعة في أكثر من محافظة طبقت المشروع بمعدل 15 إلى 20 طالبا من ذوي الاحتياجات في هذه المدرسة التقينا بعض المدرسات ومديرة المدرسة هناء دراقي التي أوضحت أن المدرسة قبل استقبالها للطلاب تطلب رؤيتهم لافتة إلى أنه بمجرد دخول الطلاب إلى المدرسة نعلمهم كيفية الاعتماد على النفس ونعطيهم الثقة ونقوي لديهم الإرادة للمثابرة والتفوق ونشعرهم بأنهم مثل الطلاب الأصحاء ونمكنهم من المشاركة في كل النشاطات المدرسية الفنية والرياضية مما جعلهم أكثر شجاعة وقوة.


وأضافت دراقي: المدرسة على تواصل مع الأهل وتعلمهم بأي جديد يطرأ على الطالب أو الطالبة من خلال مجالس الأولياء لافتة الى الدعم الذي تقدمه بعض المنظمات الدولية للمدرسة من خلال مد المدرسة بالوسائل التعليمية الخاصة بالمكفوفين التي لاتتوافر في سورية.

وعن الطالبة دعاء قالت: منذ دخولها المدرسة شعرت الإدارة أن لديها رغبة قوية للتعلم والتميز ووجدت أن مستوى ذكائها يختلف عن زملائها مبينة أنه رغم ضعف إمكانيات عائلتها إلا أننا وجدنا رعاية ومتابعة جيدة لها ما أعطاه دفعا إيجابيا للتفوق وخاصة في مادة اللغة العربية ورأينا أنها تمتلك نبرة وصوتا مختلفا يمكنها من أن تكون رائدة في هذا المجال.

من جهتها قالت أسمهان الملحم المشرفة الاجتماعية في المدرسة ومنسقة مدارس الدمج في المحافظة إن دعاء بدت طفلة متميزة ومحبة للتعلم كونها تمتلك القدرة للتعبير عن رغباتها بصراحة وجرأة ووعي فكانت تمارس هواياتها ودروسها بدقة الأمر الذي جعلها تتفوق عن زملائها وزميلاتها ولاسيما في مجال اللغة العربية.

ودعاء ليست الحالة الوحيدة التي تميزت بل هناك حالات كثيرة يعانون من نفس الإعاقة تميزوا في مجالات أخرى كالرسم والحفظ وخاصة حفظ القرآن الكريم وتلاوته.

بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  1070
التعليقات ( 0 )