• ×

قائمة

لخطر ليس كلمة مكونة من خمسة أحرف (طريق يسلكه قليلون)

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
يقول معلم الطفل "برايس بي" لا يهم أن تكون إعاقة التوحد شديدة أو خفيفة في بدايتها ولكن الطفل التوحدي بصفة عامة وفقاً لتجربتي معه لديه شعور فطري تجاه اعتقاد الكبار حياله فيما يتعلق بمقدرته على أداء عمل معين أم لا، فعندما يبدي أحد الوالدين أو أحد المدرسين عدم ثقته في مقدرة الطفل (شعورياً أو لا شعورياً) أو اعتقاده بأن هذا الطفل لن يتقدم ويتطور مثل الأطفال الآخرين ستكون النتيجة هي انغلاق هذا الطفل على ذاته حيث تنمو لديه حالة عدم الثقة بنفسه ويحدث نفسه بأنه لماذا يحاول ذلك (العمل أو النشاط الذي يطلب منه) إذا كان الآخرون "الكبار" يعتقدون أنه لا يستطيع عمله؟
الأطفال الذين يعانون من اضطرابات طيف التوحد ليسو وحدهم الذين يقعون في شراك التساؤل لماذا أحاول؟ بل إن هذا التساؤل يدور في أذهان جميع فئات الأطفال والكبار أيضاً. التعليقات مثل (أنت لا تستطيع فعل ذلك) قد تصبح دافعاً للجرأة وحافزاً على العمل ولكنها بالنسبة للكثيرين تعتبر حصاراً للشخص، وإذا ما رجعنا إلى أنفسنا سنجد بعض التجارب الشخصية التي فيها مثل هذا الحصار النفسي كما في حالة عدم ذهابنا إلى لعبة (التنس) مع الفريق لأننا نعتقد بأننا لن ننجح في اللعب أو عدم ترشيح أنفسنا لدخول لجنة المدرسة لأننا لسنا على ثقة من قدراتنا لهذا العمل. كذلك عدم الذهاب للالتحاق بالكلية لأن والديك أقنعاك بأن الحصول على وظيفة أهم من الكلية؟ - الخوف من الفشل من أكبر المثبطات دون شك المسافة بين لماذا أحاول.. ويمكنني أن أفعل ذلك كبيرة وواسعة ولكنها قابلة للعبور وتحتاج إلى شجاعة، والشجاعة تأتي من الاطمئنان إلى عدم وجود مخاطر. المالك الجديد للشركة التي أعمل بها أرسل أحد موظفيه لمقابلة الشخصيات الهامة بالشركة وعندما سألته عن وظيفته قال لي إنه نائب رئيس إدارة المخاطر وفي البداية لم أدرك ماذا يعني وما هي علاقة عمله بمسئولياتي الإدارية ولكن بعد الاستماع إليه أدركت أنه مسئول عن التأمينات وهي الموازي للأخطار كما هو معروف.
لقد بذلت جهوداً ضخمة لمعالجة وتكييف أحداث وبيئة حياة ابني برايس في طفولته حتى تكون حياته مليئة بتجارب متنوعة تساعده على النجاح، قد يقول أحدهم إنك تحاول تقليل المخاطر ولكني أفضل تعريفاً إيجابياً فأسميه تعزيزاً للثقة، أنا لا اعتبر ذلك حماية زائدة ولكني أشعر بأهمية بناء ثقة بالنفس وإيجاد صورة ذاتية إيجابية تساعدة مع تقدم النضج على النجاح ومعالجة الفشل.

في طفولته المبكرة كان برايس يعاني من عادة مزعجة تتمثل في الانهيار التام لقواه في حال سماعه لكلمة "لا" أو أي كلمة سلبية مماثلة خلال التغذية المرتدة معه ولا يهم أكان طلبه معقولاً أم لا فهو يريد أن يذهب للمخيم الصيفي في ديسمبر وأن يأتيه عيد رأس السنة في يوليو!. أما الإجابة السلبية (بالنفي) فإنها تثيره وتهيجه فيهاجمنا بكل الوسائل وقد تظهر آثار هجومه على الأجساد وعلى الحيطان أيضاً.

لكن مثل تلك اللحظات ليست لحظات تعليم وإرشاد عن الأخطار ولكن حدث فيما بعد تغيير تدريجي، وعندما بلغ عمره (7) سنوات استطاع أن يتخلص من خوفه وإمساكه بجوانب حوض السباحة وأن يتعلم السباحة، وبعد عدة أسابيع استطاع أن يقفز قفزات عالية للغوص في حوض السباحة ثم تقدم لينافس ضمن فريق السباحة، وعندما بلغ عمره (10) سنوات أصبح هذا الطفل الذي كان يقف صامتاً خلف الصفوف بروضة الأطفال أصبح يغني منفرداً أغنيات مشهورة على خشبة المسرح.

وعندما بلغ عمره (12) أثنى عشر عاماً أصبح لديه نشاط رياضي في الزوارق النهرية والسيارات الأرضية واستطاع إلقاء الكلمات أمام المجموعات واصطياد الأسماك وسرطان البحر والمشاركة في مناقشات فريق المدرسة ودعوة أصدقائه للذهاب إلى السينما .. إلخ.

لقد نجح في هذه المجالات وكان من أسباب نجاحه أننا نتبع معه طريقة مرنة جداً وتعريفاً واسعاً لمعنى النجاح ومن أسباب نجاحه أيضاً أنه استطاع أن يعدل من تمسكه بالحرفية والتفكير غير الواقعي وبدأ يدرك أن الأخطار والعواقب هي أمور نسبية وذات درجات متفاوتة. الكثيرون من أطفال التوحد يفهمون أن جميع أنواع الأخطار والأخطاء والإخفاق والقصور لها نفس الحجم أو الوزن وهذا التصور يسبب لهم الكثير من الشلل. لذلك يجب تعليم هؤلاء الأطفال باستمرار بأنه لا يوجد أحد (أو شخص) كامل في كل شيء وأن ما يسمى فشلاً أو إخفاقاً له درجات متعددة ولا يكون مساوياً للكوارث بصورة تلقائية (أوتوماتيكية) وأن بعض أنواع الفشل عبارة عن خيبة أمل عابرة فقط. الأخصائي النفسي لدينا يتبع فلسفة التبسيط وعدم تضخيم الأمور فيتم خفض حدة غضب الطفل من خلال تكرار القول بأن الخطأ بسيط وليس له أهمية كبيرة ولأن السلوك قد يكون معدياً في الغالب فعلى الوالدين الأم والأب إتباع هذا الأسلوب النموذجي في معالجة الأمور.

قد يكون أطفال فئة التوحد من النوع الجامد الذي يقاوم أي حركة أو تعديل لمحيطه الضيق المريح بالنسبة له إلا أنه من المناسب أن يتم غرس حكم دينية أو مقولات ملائمة في ذهنه مثل "كل إنسان يخطىء" (يشير الباحث كونور Connor إلى أن مدير مدرسته الثانوية كان يذكرهم بمقولة "أن ما يقوله كبار القوم لابد أن يكون صحيحاً" وقد يكون الطفل أكثر رغبةً في إجراء محاولة أو تحدي جديد لو أنك وفرت له خطة جيدة لمعالجة الأخطار والتأمين الذي يزيل مخاوفه من الفشل.

يجب الإقرار دائماً بأن الشجاعة تتمثل في الجهد المبذول وليس في النتائج وأن نمو الشخصية ونضجها يتبلور خلال بذل الجهود وليس عند ظهور النتائج فقط. وإذا كانت أول محاولة أو مذكرة يكتبها غير مقروءة فلا يهم ذلك كثيراً ويجب استحسانها وتشجيعها لأنها إعلان بالاستغلال والاعتماد على النفس من جانبه.

دعه (أي الطفل التوحدي) يراك وأنت تحاول أداء / ممارسة أشياء جديدة على أن تكون أعمالاً مناسبة مثل السباحة بمساعدة الحبل لكي يشعر بأنه يرغب في محاولة ذلك بنفسه وإذا تعذر ذلك فيمكن تعلم صيد السمك أو أخذ دروس في رياضة اليوجا أو البيانو والجيتار .. الخ والمهم هو المحاولة الجادة وعدم التهرب باختلاق الأعذار وبالنسبة للطفل برايس فقد رغب في محاولة السباحة بنفسه بعد أن شاهد الكثيرين يسبحون أمامه.

تقسيم التحدي أو العمل المطلوب إنجازه إلى أجزاء أو مراحل بحيث يمكن الاحتفال بإنجاز جزء أو مرحلة منه في كل مرة. فمثلاً إذا كان (الطفل التوحدي) يخاف من طبيب الأسنان فيمكن التدرج معه على مراحل ففي الزيارة الأولى يمكن تركه ينتظر في غرفة الانتظار لدقائق معدودة فقط وفي الزيارة الثانية يطلب منه أن يفتح فمه للطبيب .. فقط وفي الزيارة الثالثة يشرح للطبيب كيف ينظف أسنانه بالفرشاة وهكذا ... وفي حالة الطفل التوحدي برايس Bryce يقول طبيب الأسنان المعالج له الدكتور/ مايك أن برايس كان عنيداً وشرساً وكان لا بد أن يتم خلع بعض أسنانه ولكن طبيب الأسنان مايك/ كان عظيم الصبر فكان في البداية يجلس على الأرض مع برايس في القاعة خارج مكتبه .. ورويداً رويداً أصبح برايس من أبرز المرضى المترددين عليه.

تأكد أن الطفل مزود بجميع المعدات اللازمة لإنجاح تجربته مثلاً يجب أن يكون حذاء التزلج الخاص به حجمه مناسب تماماً وأن مكان التزلج لن يكون شديد البرودة أو الحرارة أكثر من المطلوب وأن تكون التوجيهات أو الإرشادات ذات صياغة ملائمة لمستوى فهمه.

إعداد خطة بديلة (ب) وربما (خطط أخرى ج و د) عمل جيداً بحيث يمكنك التحرك والانتقال إليها بسلاسة وانسجام إذا ظهرت مشاكل وعقبات في الخطة الأساسية ولكن يجب عدم الالتجاء إلى هذه الخطط إلا إذا كانت المشاكل أو العقبات حقيقية. إذا بحثت عن المشاكل فسوف تجدها حتى ولو لم تكن موجودة في الواقع. وإذا كنت خائفاً أو قلقاً فمن المؤكد أن طفلك سوف يتأثر بذلك. عليك ألا تتحدث عن مخاوفك الخاصة إلا إذا كان ذلك في سياق الحديث عن كيفية مواجهة الشكوك والتغلب عليها.

نحن كآباء لهؤلاء الأطفال الاستثنائيين لا نخلو من المخاوف تجاه الأخطار التي يمكن أن نواجهها أثناء تربيتهم ورعايتهم وتبدو لنا هذه الأخطار أكثر تناقضاً في حالة برايس عندما نجح في بلوغ مرحلة متميزة وجاء وقت تركه لحريته واستقلاليته ورغم الفرح بذلك إلا أن الشفقة الذاتية عليه تجعل هذه الاستقلالية تبدو بشعة وشاقة على النفس التي بذلت كل هذا المجهود والوقت معه فقد أصبح مؤهلاً ولا يحتاج إلى من كان يشرف عليه وهي لحظات صعبة تستجلب الدموع وتترك فراغاً في النفس وجرحاً يحتاج إلى بعض الوقت لكي يندمل. إن رحلتك لاستكشاف التوحد قد تبدو لك كمن قد واجه ذلك الساحر الذي كان يخيفه ويمنعه من الخروج ليرى الدنيا حوله ولكنه بعد المواجهة وطرد مخاوفه والخروج إلى منازل أهله ومزارعهم اكتشف أن ذلك الساحر كان في الحقيقة مجرد رجل عادي وأنه (أي الطفل التوحدي) كان قادراً على فعل أكثر مما كان يحلم به من الخروج إلى المزارع والغابات ومنازل الأهل والأقارب.

إن ذلك لا يعني عدم الخوف مطلقاً ولكنه يعني الانتباه والاستجابة إلى داعي الشجاعة والإدراك الواثق بأن رياح النجاح الدائم قد بدأت تهب في طريقك رغم ما قد يعترض هذا الطريق من عثرات هنا وهناك.

ملحوظـة: الكاتبة إيلين نوتبوم Ellen Notbohm لها أيضاً مقالات أخرى عن التوحد في الصحف والمجلات المختلفة ومن بينها مقال (عشرة أشياء يتمنى كل طفل توحدي أن تعرفها) ومقالاً مشتركاً مع الكاتبة فيرونيكا بعنوان" 1001 من الأفكار العظيمة لتعليم وتربية الأطفال الذين يعانون من اضطرابات التوحد ".

بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  1008
التعليقات ( 0 )