• ×

قائمة

الطفولة البائسة الممتهنة

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أكثر ما يؤرق الكاتب هو مادة الطرح، التي سيقدمها في مقاله القادم. فمن وقت صحيانه لا يكون له شاغلا سوى البحث عن الموضوع، الذي يتمنى أن يعجب القراء ويشدهم، ويجعلهم يتفاعلون معه، وعلى الجانب المضيء فربما يكون لكلماته وقعا مفيدا في رقي مجتمعه وأمته.
وأكثر ما يشد عين القارئ العربي، هو المواضيع السياسية الساخنة، التي تشجب وتعارض سياسات الدول والحكام، أو التي تلهب مشاعر العرب وتأججها من التنديد بحصار غزة، نزولا إلى الحذاء المقذوف (كرمكم الله). وكذلك فإن مواضيع تصادم الأديان، وعجائب الفتاوى، والجنس بكامل صوره جذابة بشكل عجيب للقارئ، ومثيرة لتعليقاته.
وهذا ما يحبط بعض الكتاب، حيث أن المواضيع الإنسانية المصيرية الهامة قد لا يكون لها حظا من التواجد بين تلك المواضيع الرنانة.
وقد قمت قبل عدة أشهر بالبحث عن محور لموضوعي، فلم أجد أجمل من الكتابة عما كان يحدث حينها في دولة المغرب، حيث تسعى منظمات مغربية ناشطة إلى جمع (مليون توقيع)، على عريضة تطالب بتجريم تشغيل الخادمات القاصرات واللواتي يبلغ عددهن بالمغرب حوالي (66) ألف طفلة دون سن الخامسة عشر، وفق إحصاءات هذه المنظمات. وقد قمت بإرسال موضوعي لعدة دور نشر، فلم أجد الحماس من أحد!.
وحقيقة أني قد تمنيت أن أكون أول من يوقع على هذه العريضة الإنسانية الشريفة الكريمة، والتي ستحفظ كرامتهن المهدرة، وطفولتهن المحرومة، وعبوديتهن الجبرية لمن يقوم بتسخيرهن للعمل ألقسري الشاق المذل في بيوت الآخرين، وفي سن هشة تعرضهم لكثير من الأخطار ليس من أهمها الاعتداء الجنسي عليهن.
وفي عمل الأطفال حرمان ظالم لهم من أبسط حقوقهم الإنسانية، وهي القدرة على التعلم، ناهيك عن القدرة على اللهو والتمتع بالطفولة. وفيها أعمال سُخرة شاقة لا يجد الطفل معها حتى التأمين الصحي في حالة مرضه أو إصابته، ولا يوجد بها عقود رسمية، ولا يتمكن الطفل من استلام مرتباته بنفسه، حيث تدفع للمستفيد الظالم، الذي يقوده للعمل عنوة.
ووفق التقديرات العالمية لسنة (2002م)، فإن الطفولة العاملة على المستوى العالمي قد تعدت (320) مليون طفل وطفلة، تقل أعمارهم عن (15) سنه، وأن (ثمانية مليون) منهم يمارسون الدعارة والسخرة!.
و كثير من الدول العربية وللأسف لا زالت تحُط من قيمة الطفولة، وتهدر القيم الإنسانية بالسماح للمستفيدين بإجبار الأطفال الفقراء على العمل، وبأجور متدنية، وبشروط معجزة، لا يتحملها حتى الكبار.
وحقيقة أن البعض يتحجج بالظروف المالية الاقتصادية الصعبة، التي تمر بها تلك الأسر الفقيرة، والتي تضطرهم لإرسال أطفالهم للعمل. ولكن الحكومات هنا مذنبة بشكل مباشر، ويقع عليها دورا عظيما يجب أن تتولاه، برعاية الفقراء، وتأمين السكن والتعليم والغذاء والدواء لهم في حالة عجزهم. وعدم السماح لأيا كان بتدمير طفولتهم.
أضم نفسي مجددا لكاتبي هذه العريضة، وأشد على أيديهم، وأتمنى أن نرى مثل ذلك في بقية الدول، التي لا زالت تهدر حقوق الطفولة، في اليمن، والسودان، وسوريا، وفلسطين، والمغرب، وفي مصر العزيزة، التي نلمح بأعيننا كيف أن آلاف من الأطفال لا زالوا يمتهنون في الطرقات والمتاجر والمزارع والبيوت دون رحمة أو واعز.
وأتمنى كغيري من الكتاب أن نجد دوما المنبر، الذي نبوح فيه بهموم أمتنا الحقيقية، بكل وضوح وتجرد، وبإنسانية، حتى وإن أعزف بعض القراء عن مواضيعنا.

د . شاهر النهاري
drshaherus@yahoo.com

بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  1168
التعليقات ( 0 )