• ×

قائمة

الطفل التوحدي بين مسؤولية الدولة وتقبل المجتمع

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
بدلا من المقدمة: (المترجم)
أول مرة يطرق سمعي مرض اضطراب طيف التوحد، حين عاينت عن قرب حالة طفل لصديق لي، طفل يسمع لكنه لا يتكلم، وهذه تبدو صعوبة ليست بالسهلة، فان قدرة السمع دون الكلام تخلق نوعا من اختلال التوازن في عملية اكتساب التعلم، لان عملية التعلم بلغة الإشارة - كما هو معروف - تشترط فقد السمع، وهذه كانت إحدى المحن التي واجهها صديقي، حيث لم يستطع تسجيل ابنه في مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة، فهذا المرض لم تولي له الحكومات الأهمية بتقديم الخدمات المناسبة لخصائصه شديدة التعقيد. أما على المستوى الاجتماعي فشخصيا كنت متفاجئا من شدة ذكاء وحساسية هذا الطفل، واجتماعيته لدرجة انه لا يطيق العيش دون الناس، على خلاف حالات أُخر كما سأبين.

التوحد أو ( اضطراب الطيف التوحدي) Autism Spectrum Disorders ASD هو اضطراب نمائي عام، يصيب الطفل قبل بلوغه العام الثالث من العمر، ويتضمن قصورا في قدرة الشخص على التواصل اللفظي وغير اللفظي مع الأشخاص أو الأشياء أو الموضوعات، والعجز عن تكوين علاقات مع المحيطين به،وهو يصيب الذكور أكثر من الاناث بأربعة أضعاف.

وسمي بالطيف التوحدي لأن أعراضه تختلف في شدتها من شخص لآخر، و مصطلح التوحد autism هو مصطلح حديث ، ولقد تردد ذكره في بداية الأمر بين علماء النفس والأطباء النفسيين ، ويعتقد أن أول من قدمه هو الطبيب النفسي السويسري إيجن بلولر Eugen Bleuler عام 1911 حيث استخدمه ليصف به الأشخاص المنعزلين عن العالم الخارجي والمنسحبين عن الحياة الاجتماعية.

وكل شخص توحدي هو حالة فريدة، فلا يوجد شخصان توحديان متشابهان تماما. ويتنوع الأشخاص التوحديون فيما بينهم تنوعا كبيرا كما يقول الدكتور إمي كلين (Dr. Ami Klin ) أستاذ علم النفس لدراسات الطفولة بالولايات المتحدة الأمريكية.

فمنهم أفراد اعتماديين وذوي إعاقة عقلية شديدة، ومنهم أشخاص موهوبين حادي الذكاء .

ومنهم أشخاص لا يستطيعون الكلام نهائيا، ومنهم أشخاص ثرثارين.

ومنهم أشخاص منعزلين ومنسحبين تماما من الحياة الاجتماعية، ومنهم أشخاص لا يطيقون العزلة أو الابتعاد عن الآخرين ولو لوقت قليل! .

إلا أن الملاحظ - على مستوى الباحثين والممارسين- انه قد حصرت اهتماماتهم في السياق الاختصاصي ( السيكولوجي)، بدراسة خصائص هذا النوع من الإعاقة وطرق تعليمهم، أما على مستوى مسؤولية الدولة بتقديم الخدمات الاجتماعية المناسبة لهم وعلاقة الطفل التوحدي بأسرته، فقليلا ما تناولته دراساتنا العربية، ومن هنا فقد حاولت عرض احدث الدراسات الاجنبية ، مابين 2007-2009 ، حول جانبين هامين من جوانب قضايا الطفل التوحدي:

1- مسؤولية الدولة والمجتمع بتقديم الخدمات المناسبة لهذه الفئة.

2- مدى الصعوبات التي يعانيها آباء الطفل التوحدي، مع تقديم بعض النماذج السلوكية لمساعدة الآباء في التكيف مع هذه الفئة.

هدفت دراسة تروسدل ورفاقه Truesdale 2008 إلى بحث تأثير الأسر والدعم المتاح على النمو والعناية بالأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد. وتذهب الدراسة إلى أن الأسر الذين لديهم حالات أطفال مصابون باضطراب طيف التوحد Autism Spectrum Disorders ASD تنمو لديهم متطلبات زائدة لتقديم الخدمات لهم.

ويؤكد الباحثون أن هناك القليل مما يعرف عن خصائصهم ومدى حاجتهم للدعم. بدلاً من ذلك، مالت البحوث الماضية إلى التركيز على التقييمات والتدخّلات الاختصاصية. في دراسة تروسدل ورفاقه Truesdale قاموا بمقابلة أكثر من 100 والد ووالدة بأطفالهم بعمر تحت خمس سنوات بشكل منفرد في البيت، وتوصلوا انه على الرغم من أن كلّ الأطفال كانوا قَد أعطوا تشخيصات مؤكدة لاضطراب طيف التوحد في العيادات الاختصاصية، الا انه وجدت هناك اختلافات واسعة في صعوبات الأطفال النمائية وفي خصائص أسرهم. أغلبية الأسر أبلغت عن التأثيرات الملحوظة على الحياة العائلية مع المستويات المتزايدة للإجهاد الوالدي. على أية حال، كمّية ونوع الدعم الفني المتوفر للأسر ليس له علاقة بالطفل أَو الخصائص الأسرية( اي غير ملائمة). ويتوصل الباحثون إلى أن التدخّل وخدمات الدعم المتمركَزة حول العائلة Family-centered متطلبة, ويجب أن تكون متوفرة للآباء بصرف النظر عن أطفالهم الذين لديهم مشكلات مؤكدة.

وفي دراسة كلوبتن وآخرون Clopton 2009 التي هدفت الى بحث مدى تأثير الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد على العلاقات الزوجية، حاول الباحثون الإجابة على التساؤل التالي: ما الوقت الإضافي والجهد المطلوب من الأسرة. قَارن البحث الحالي 25 زوج وزوجة من الذين لديهم أطفال مصابين باضطرابات طيف التوحد (ASD) ب 20 زوج ليس لديهم أطفال مصابين باضطرابات نمائية. المقارنات عالجت كل من متغيرات مشاكل سلوك الطفل child\"s behavior problems ورضا العلاقات relationship satisfaction (بين الزوجين).

وأشارت النتائج إلى أن آباء الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد واجهوا مشاكل مع سلوك أطفالهم أكثر حدّة، وإجهاد والدي أعظم، ورضا علاقات منخفضة. على النقيض من ذلك، مجموعات الأزواج لم يختلفوا حول الدعم الزواجي المتضامن، والاحترام بين الشريكين، والالتزام.

أما دراسة باكستر Baxter وآخرون 2009 فقد اختار الباحثون 16 من آباء اسر الأطفال المصابين باضطرابات طيف التوحد أو متلازمة داون لبحث أنظمة القناعات/المعتقدات. كلّ الأسر التي كان لديها أطفال، دخلوا المدرسة الابتدائية مؤخراً أو كَانوا في أوائل سنوات المدرسة العليا، كنتيجة لتجاربهم، تبنت الأسر مناظير/تصورات التفاؤل optimism، القبول acceptance، والتقدير appreciation، والمكافحة لتغيير البيئة أَو لتلبِية حاجات أطفالهم. زوّدت هذه المناظير الأسر بإحساس الأمل، المعنى، والسيطرة على اتجاهاتهم.و تشير النتائج إلى القوى ومرونة resilience الأسر تجاه محن الحياة.

لكن دراسة جارنيت Garnett واخرون 2008 حاولت فحص التأثير المحتمل للنزاع والتماسك العائلي، واثر الدعم / الاستبداد على الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد (ASD). بينما مثل هذه التأثيرات أسست لبحث مدى اضطرابات طيف التوحد لدى الأطفال، هذه النتائج قَد لا تعمّم للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد بسبب المشكلات الفريدة، وفهم عاطفة الآخرين، وقوة الإدراك، والاستنتاج الاجتماعي.

مدخل نموذج البناء البنيوي structural model- building approach كان يستخدم لاختبار مدى العائلة ومتغيّرات نظيرة, أثرت بشكل مباشر أو غير مباشر على المصابين باضطراب طيف التوحد عن طريق قلق/ كآبة anxiety/depression الطفل. العيّنة ( 322) شملت آباء الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد. النتائج الرئيسية كانت أن بين القلق / الكآبة وأعراض اضطراب التوحد ASD symptomatology يوجد علاقة بشكل ملحوظ، والنزاع العائلي كان أكثر تنبؤية لأعراض طيف التوحد من العائلة الإيجابية. تشير النتائج الى فائدة توسيع التدخّلات, متضمنة إدارة نزاع الأزواج، حتى عندما يكون النزاع والضيق العائلي منخفضا. البحوث الإضافية مطلوبة عن المعاني المختلفة الكامنة للتماسك والنزاع العائلي للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد مقارنة بالأطفال غير المصابين باضطراب طيف التوحد.

اما دراسة مكرو واخرون McGrew 2009 فقد فَحصت العوامل التي تؤثر على أعباء مقدم الرعاية caregiver بعد تشخيص اضطراب طيف التوحد. مقدمو الرعاية الأساسيون للأطفال، شخّصوا المصابين ضمن الشهور الـ6 الماضية، كانت قد قيمت المتغيّرات التي يعتقد بأنها تؤثر على المخرجات المرتبطة بالإجهاد العائلي، كما اقترح نموذج ABCX المضاعف للتكيّف العائلي، وبمعنى آخر: شدّة أعراض التوحدي، ومطالب الحياة الإضافية، اوالدعم الاجتماعي social support، التقييم appraisal، وإستراتيجيات المواجهة coping strategies.

الأعباء قيست عبر ثلاثة مجالات: مقدم الرعاية الفردي، والعلاقات الزوجية، والعائلة ككل. أكثر الأسر أبلغت عن المستويات العالية من الأعباء التي تلت تشخيص أطفالهم. شدة الأعراض Symptom، مطالب الصدمة pile-up الإضافية، الدعم الاجتماعي، واستعمال إستراتيجيات المواجهة كانت قوية وثابتة التنبؤ للأعباء المتزايدة.

وتقترح دراسة بييت ورفيقه Bayat 2007 دليلا لعدد كبير من أسر الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، عارضة ما أسمته بعوامل المرونة. خلفية الدراسة: المرونة العائلية Family resilience تتحرّى العوامل التي تساهم في جعل الأسر كي تصبح أقوى للتعامل مع المحن adversity.

وتذهب الدراسة انه على الرغم من الاهتمام المتزايد في دراسة المرونة العائلية، الموضوع لم يستكشف في الأسر التي لديها أطفال مصابين بحالات عجز. هذه الدراسة ، جزء من دراسة أكبر - استخدمت كل من المنهجيات الكمّية والنوعية - فحصت عوامل المرونة العائلية في اسر الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد. دليل المرونة العائلية, مثل العائلة شديدة الاتصالية connectedness والتقارب closeness، وصناعة المعاني الايجابية للإعاقة positive meaning-making of the disability، والنمو الروحي والشخصي، كلها ميّزت وفحصت في هذا الجزء من الدراسة.

منهج الدراسة: الدراسة استخدمت المنهج المسحي، حللت الاستجابات لعدّة معايير مصنفة واستجابات مكتوبة لثلاثة أسئلة مفتوحة. المستجيبون للمسح شملوا 175 أب وأم ومقدمي رعاية أساسيين لمصابين باضطراب طيف التوحد - الأعمار ما بين 2و 18 سنة.

نتائج الدراسة: تقترح النتائج تعريف عمليات المرونة الخاصة، مثل: صناعة المعانى الإيجابية للإعاقة، تعبئة الموارد، الاتحاد والتقارب بين العائلة؛ إيجاد التقدير الكبير للحياة عموماً، وكسب القوّة الروحية

بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  850
التعليقات ( 0 )