• ×

قائمة

الجهاد ضد شلل الأطفال

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أتمنى أن تعلن الدول الإسلامية التي لا يزال يستوطن فيها شلل الأطفال، وهي نيجيريا والباكستان وأفغانستان الجهاد ضد هذا المرض حتى يتم استئصاله منها بالكامل، وكذلك المناطق الإسلامية في شمال الهند حيث تتركز أغلب حالات المرض بين أطفال المسلمين في تلك الدولة.
أتمنى أيضا أن تشارك جميع القيادات البارزة والمؤثرة في العالم الإسلامي والمنظمات الإسلامية في هذا الجهاد، وذلك بحثّ إخوانهم في المناطق المصابة ودعمهم ماديا ومعنويا لتحقيق الانتصار الكامل والقضاء على هذا المرض. العالم كله تخلص من شلل الأطفال ما عدا الدول الأربع المذكورة أعلاه التي تتعثر فيها جهود الاستئصال، وهي بذلك تشكل بؤرا مستمرة لتصدير المرض إلى دول أخرى تخلصت منه في السابق ليعود إليها كحالات مستوردة. العالم يتطلع إلى تحقيق انتصار من أكبر الانتصارات الطبية في تاريخ البشرية لولا تعثر جهود الاستئصال في هذه الدول والمناطق القليلة الباقية. وهكذا يستمر المرض عاما بعد آخر. وبدلا من أن يكتمل الاستئصال في عام 2000م كما كان مأمولا، يبقى معنا المرض حتى الآن. وخلال الأعوام القليلة الماضية تراوح عدد حالات الشلل في مكانه بين ألف إلى ألفي حالة، وهو عدد بسيط بالقياس إلى ما كان عليه الوضع في السابق وإلى ضخامة الجهود المبذولة والمبالغ المدفوعة التي يتم بواسطتها توفير كميات كبيرة من اللقاح وكافة أنواع الدعم الأخرى لأية منطقة محتاجة في العالم. مع ذلك تستعصي هذه الحالات القليلة الباقية على الاستئصال. وهناك خطر حقيقي من أن تؤدي حالة الجمود الراهنة إلى نضوب الموارد وتراجع الحماس لدى العاملين في المكافحة.
قد لا يرى البعض أن استعمال مصطلح «الجهاد» مناسب هنا، ولا يستسيغون إقحام الشعور الديني في غير الاستعمال المتعارف عليه، أو أنهم يخافون من سوء استغلاله في توليد شعور عدائي ضد غير المسلمين. في الواقع هناك عدة أسباب للاستفادة من الدافع الديني في محاربة شلل الأطفال. أولها، كما سبقت الإشارة، هو أن أغلب حالات الشلل المتبقية تحدث بين أطفال المسلمين. وفي هذه المرحلة يصبح المسلمون أولى من غيرهم بقيادة جهود المكافحة ضد مرض أصبح يستهدف أبناءهم بصورة أساسية. ولا ينبغي أن يبقى المسلمون متخلفين عن بقية شعوب العالم في مكافحة عدو يعيق نموهم وتقدمهم. سبب آخر هو لتصحيح بعض المواقف السلبية السابقة التي تم فيها استعمال التأثير الديني من قبل مجموعات إسلامية بطريقة عكسية أدت إلى انتكاسة جهود المكافحة لشلل الأطفال، مثلما حدث في شمال نيجيريا قبل بضعة أعوام، حين صدرت بعض الفتاوى النابعة من خلافات سياسية، وكان مصدرها الأحزاب الدينية المعارضة، لتثير الشكوك حول سلامة اللقاح المصنع في الدول الغربية مما سبب تخوفا عند الناس من قبوله في تطعيم أبنائهم، فارتفعت حالات الشلل بشكل كبير في نيجيريا وتم تصدير المرض منها إلى كل الدول المجاورة وعدة دول بعيدة. وقد تطلب إزالة هذه الشكوك جهودا كبيرة من قبل المنظمات الدولية، وصلت إلى حد الاستعانة بلقاح مصنع في دولة إسلامية (إندونيسيا). من ناحية ثالثة تبقى الصراعات المسلحة في الدول الإسلامية سببا أساسيا في عرقلة جهود إيصال اللقاح لجميع الأطفال، مما يتطلب جهدا أكبر في حث كل الأطراف المتنازعة على تركيز الجهد ضد العدو المشترك وتبني جهود المكافحة وحمايتها في المناطق التي تقع تحت سيطرتها.
المعنى الأوسع للجهاد، في رأيي، قد يشمل أي جهود كبيرة وتضحيات تنبع من رغبة صادقة في إعلاء مكانة الإسلام والمسلمين. ومن أنواع الجهاد المختلفة الجهاد بالمال وجهاد النفس الأمارة بالسوء. ولا يعني الجهاد التحيز بالباطل ضد غير المسلمين أو الاعتداء على الآخرين، بل عادة ما يكون الجهاد للدفاع عن النفس ومنع الظلم. وفي الزمن الراهن ربما يمكن توسعة مفهوم الجهاد لاستهداف أعداء البشرية بصفة عامة من مسببات المرض والفقر والجريمة والإدمان والتدهور البيئي والاجتماعي.
العالم بذل جهودا مضنية وحقق نجاحات كبيرة أدت منذ سنوات إلى اختفاء المرض من القارتين الأمريكيتين ومن غرب المحيط الهادئ ومن أوروبا، كما أدت هذه الجهود إلى القضاء التام على النوع الثاني من فيروسات الشلل، فلم يعد هناك غير نوعين من الأنواع الثلاثة. ومؤخرا تم إدخال تحسينات على اللقاحات المستعملة لزيادة فاعليتها بصورة كبيرة. العالم عازم على المضي قدما في استئصال شلل الأطفال، وهو لا يحتمل خسارة معركته ضد هذا المرض بعد أن بات قاب قوسين من حسمها. والخسارة هنا تعني عودة المرض لدول كثيرة نجحت في استئصاله. وستضعف الآمال في مكافحة أمراض أخرى تنتظر دورها في الاستئصال. وهاجس عودة المرض سيلازم العالم طالما استمر وجود فيروسات الشلل في أي دولة أو منطقة.
ماذا يتطلب إعلان الجهاد ضد شلل الأطفال؟ يتطلب استنفار العزيمة الصادقة من قبل كل من يستطيع أن يساهم بجهده أو ماله أو نفوذه وتأثيره، ومن ذلك على سبيل المثال قادة الدول الإسلامية والزعماء الدينيون وخطباء المساجد ومعلمو المدارس والجامعات والمنظمات غير الحكومية والمتطوعون، بالإضافة طبعا إلى كل الكوادر الصحية والإدارية التي تدخل جهود الاستئصال ضمن صميم عملها.
قد يشكل إعلان الجهاد ضد شلل الأطفال مفتاحا لإنهاء حالة الجمود الراهنة في حسم المعركة ضد هذا المرض وتحقيق الانتصار الكامل على أحد الأعداء المهمين للبشرية.

بواسطة : يوسف ربابعه
 0  0  949
التعليقات ( 0 )